مجمع البحوث الاسلامية
585
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الأوّل : قوله تعالى : فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ الحشر : 2 ، ولا شكّ أن الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام رؤساء أولي الأبصار . الثّاني : قال : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ النّساء : 83 ، مدح المستنبطين ، والأنبياء أولى بهذا المدح . والثّالث : قال تعالى لمحمّد عليه الصّلاة والسّلام عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ التّوبة : 43 ، فلو كان ذلك الإذن بالنّصّ ، لم يقل : لِمَ أَذِنْتَ فدلّ على أنّه كان بالاجتهاد . الرّابع : أنّه لا طاعة إلّا وللأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فيها أعظم نصيب ، ولا شكّ أنّ استنباط أحكام اللّه تعالى بطريق الاجتهاد طاعة عظيمة شاقّة ، فوجب أن يكون للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام فيها نصيب ، لا سيّما ومعارفهم أكثر وعقولهم أنور وأذهانهم أصفى وتوفيق اللّه وتسديده معهم أكثر ، ثمّ إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمّة مخالفتهم في ذلك الحكم ، كما أنّ الإجماع إذا انعقد على الاجتهاد ، فإنّه يحرم مخالفته . والأظهر الأقوى أنّ إسرائيل صلوات اللّه عليه ، إنّما حرّم ذلك على نفسه بسبب الاجتهاد ؛ إذ لو كان ذلك بالنّصّ ، لقال : إلّا ما حرّم اللّه على إسرائيل . فلمّا أضاف التّحريم إلى إسرائيل ، دلّ هذا على أنّ ذلك كان بالاجتهاد ، وهو كما يقال : الشّافعيّ يحلّل لحم الخيل ، وأبو حنيفة يحرّمه ، بمعنى أنّ اجتهاده أدّى إليه ، فكذا هاهنا . الثّالث : يحتمل أنّ التّحريم في شرعه ، كالنّذر في شرعنا ، فكما يجب علينا الوفاء بالنّذر ، كان يجب في شرعه الوفاء بالتّحريم . الرّابع : قال الأصمّ : لعلّ نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع ، فامتنع من أكلها قهرا للنّفس وطلبا لمرضاة اللّه تعالى ، كما يفعله كثير من الزّهّاد ، فعبّر عن ذلك الامتناع بالتّحريم . الخامس : قال قوم من المتكلّمين : إنّه يجوز من اللّه تعالى أن يقول لعبده : احكم فإنّك لا تحكم إلّا بالصّواب . فلعلّ هذه الواقعة كانت من هذا الباب ، وللمتكلّمين في هذه المسألة منازعات كثيرة ، ذكرناها في أصول الفقه . ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ الّذي حرّمه إسرائيل على نفسه فقد حرّمه اللّه على بني إسرائيل ؛ وذلك لأنّه تعالى قال : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ فحكم بحلّ كلّ أنواع المطعومات لبني إسرائيل ، ثمّ استثنى عنه ما حرّمه إسرائيل على نفسه ، فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حراما على بني إسرائيل ، واللّه أعلم . ( 8 : 148 ) نحوه ملخّصا القرطبيّ . ( 4 : 135 ) أبو حيّان : [ نحو ابن عطيّة إلّا أنّه قال : ] وهذا الاستثناء يحتمل الاتّصال والانقطاع ، فإن كان متّصلا كان التّقدير : إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه فحرّم عليهم في التّوراة ، فليست فيها الزّوائد الّتي افتروها وادّعوا تحريمها . وإن كان منقطعا كان التّقدير : لكنّ إسرائيل حرّم ذلك على نفسه خاصّة ولم يحرّمه اللّه